في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ النقل البحري الحديث، تعود الموانئ المصرية إلى الواجهة كلاعب استراتيجي في منظومة التجارة العالمية. هذا ما أكده المهندس محمود القاضي، مدير عام مجموعة كادمار للملاحة، خلال مشاركته في الندوة الرئيسية للجمعية البحرية المصرية حول مستقبل الخطوط الملاحية العالمية
وأوضح القاضي أن التوترات الأمنية في البحر الأحمر منذ 2023 لم تغيّر فقط مسارات السفن، بل أعادت تشكيل خريطة الترانزيت في البحر المتوسط بالكامل. فعدد من أكبر الخطوط الملاحية العالمية مثل Maersk وMSC وCMA CGM وHapag-Lloyd اضطرت لتحويل سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، ليس بسبب التكلفة، بل لإدارة المخاطر وضمان استمرارية الخدمة
هذا التحول أدى إلى دخول السفن إلى المتوسط من المدخل الغربي بدلًا من الشرقي، ما جعل موانئ غرب المتوسط مثل طنجة المتوسط وفالنسيا والجزيرة الخضراء نقاط تجميع رئيسية للحاويات القادمة من آسيا. وبيّن القاضي أن القفزة التي حققها ميناء طنجة المتوسط – بتجاوز 10 ملايين حاوية – لا تعكس نموًا حقيقيًا في التجارة، بل نتيجة مباشرة لتحويل المسارات بعيدًا عن موانئ شرق المتوسط، وعلى رأسها بورسعيد ودمياط
وأضاف أن هذا الوضع يحمل كلفة اقتصادية مرتفعة على الخطوط الملاحية. فزمن الرحلة بين آسيا وأوروبا ارتفع من نحو 60 يومًا عبر قناة السويس إلى ما بين 75 و80 يومًا عبر رأس الرجاء الصالح، ما يفرض الحاجة إلى عدد أكبر من السفن لتقديم نفس الخدمة الأسبوعية، ويزيد من استهلاك الوقود ورأس المال المستخدم ويضغط على الربحية
وأكد القاضي أن هذا المسار لا يمكن استدامته اقتصاديًا، وأن العودة إلى قناة السويس ستكون حتمية مع تراجع المخاطر الأمنية، لأن المنطق المالي سيجبر الخطوط على اختيار المسار الأقصر والأكفأ
وفي هذا السياق، شدد على أن الموانئ المصرية لم تفقد تنافسيتها، بل خرجت مؤقتًا من قلب الشبكة بسبب تغيير مسارات السفن. وأوضح أن بورسعيد ودمياط والإسكندرية ما زالت تمتلك بنية تشغيلية قوية تؤهلها لاستيعاب زيادات كبيرة فور عودة الشبكة الملاحية إلى طبيعتها
وأشار القاضي إلى أن مصر استغلت فترة الاضطراب في تنفيذ استثمارات ضخمة في بنيتها التحتية البحرية، من توسعات محطات الحاويات، وإدخال معدات حديثة، إلى إنشاء محطات جديدة وربط الموانئ بالموانئ الجافة وشبكات السكك الحديدية والطرق السريعة
واختتم القاضي برسالة استراتيجية واضحة
ما نشهده اليوم هو صدمة مؤقتة في النظام الملاحي، وليس تحولًا دائمًا في موازين القوة. الجغرافيا أقوى من السياسة، ومصر بطبيعتها وموقعها واستثماراتها الحديثة ستستعيد دورها الطبيعي كمركز رئيسي للملاحة العالمية في المنطقة